محمد طاهر الكردي
353
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
واحدة . وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة ، وأجرى إليها ماء العين ، فبقي الناس براحة من جهة الماء في مكة وعرفة ، زمن الحج ، واستمر الحال كذلك زمنا طويلا ثم تخربت العيون ، التي كانت تصب في العين الواحدة ، التي صنعها عبد اللّه بن عامر ، وانقطع الماء عن أهل مكة وكان ذلك في أواخر زمن من دولة بني أمية . وأصاب الناس ، بعد قطعها ، شدة من قلة الماء ، حتى رجعوا إلى الشرب من الآبار ، فصاروا يحلبون الماء إلى مكة من الخارج ، واستمروا كذلك في أوائل دولة بني العباس إلى أن وفق اللّه تعالى أمير المؤمنين هارون الرشيد فأمر بإصلاح بعض العيون ، التي تخربت وانقطعت انتهى . ثم انقطعت هذه العيون ، وكان الناس بعد قطعها في شدة من قلة الماء ، وكان أهل مكة والحجاج يرون من ذلك مشقة ، حتى أنا لبدرة وهي القربة الصغيرة تبلغ عشرة دراهم أو أكثر ذكره القرشي . إيصال زبيدة رحمها اللّه تعالى عين حنين إلى مكة قال العلامة القطبي : فلما بلغ ذلك أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور زوجة هارون الرشيد واسمها أمة العزيز وكان جدها المنصور يرقصها وهي طفلة ، ويقول : أنت زبيدة ، فاشتهرت بها . وكانت من أهل الخيرات ولها مآثر عظيمة إلى الآن ، منها : إجراء عين حنين إلى مكة المشرفة ، وصرفت عليها خزائن أموال إلى أن جرت إلى مكة وهي واد قليل الأمطار ، بين جبال سود عاليات خاليات من المياه والنبات وصفها اللّه تعالى بأنها واد غير ذي زرع ، فنقبت أم جعفر زبيدة الجبال إلى أن سلك الماء ، من أرض الحل إلى أرض الحرم وأنفقت على عملها ألف ألف وسبعمائة ألف مثقال من الذهب فلما تم عملها اجتمع المباشرون والعمال لديها وأخرجوا دفاترهم لإخراج حساب ما صرفوه ليخرجوا من عهدة ما تسلموه من خزائن الأموال . وكانت في قصر عال مشرف على الدجلة فأخذت الدفاتر منهم ورمتها في بحر الفرات ، وقالت : تركنا الحساب ليوم الحساب فمن بقي عنده شيء من بقية المال فهو له ، ومن بقي له شيء عندنا أعطيناه وألبستهم الخلع والتشاريف فخرجوا من عندها حامدين شاكرين وكانت هذه العين ترد إلى مكة وينتفع الناس بها ، ومنبع هذه العين في ذيل جبل شامخ يقال له : طاد ، بالطاء المهملة والألف وبعدها دال مهملة ، من جبال الثنية من طريق الطائف . وكان يجري الماء إلى أرض ، يقال